جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة

اختطاف الرئيس… حين تتحول السيادة إلى تفصيل قابل للتجاوز

بقلم الأستاذ عبد المجيد الادريسي

قوة أجنبية تقتحم قصر الرئاسة في كراكاس، تعتقل رئيس دولة قائمًا بمهامه، وتنقله خارج حدود بلاده.والعالم شاهد… ثم صمت.

نحن هنا لا نناقش شخصية نيكولاس مادورو، ولا سجل حكمه، ولا أزمات فنزويلا الداخلية. هذه قضايا تخص الفنزويليين وحدهم، يحسمونها عبر مؤسساتهم، أو حتى عبر صراعاتهم السياسية القاسية.ما نناقشه أخطر من ذلك بكثير: هل ما زالت السيادة مبدأً حاكمًا في النظام الدولي، أم مجرد خطاب يستدعى عند الحاجة ويهمل عند التعارض مع مصالح القوة؟

العدالة التي تأتي على متن مروحية

القانون الدولي، بكل نصوصه، لا يمنح أي دولة — مهما كانت قوية أو “أخلاقية” في خطابها — حق تنفيذ عمليات عسكرية داخل دولة أخرى لاعتقال رئيسها.لا باسم الديمقراطية، ولا مكافحة الفساد، ولا حماية حقوق الإنسان.

فالمحاكم لا تملك جيوشا، والعدالة — نظريا على الأقل — لا تُفرض عبر وحدات خاصة.وحين يختطف رئيس دولة من داخل بلاده، دون تفويض دولي صريح، ودون آلية قضائية معترف بها، فنحن لا نكون أمام “سابقة قانونية”، بل أمام انهيار عملي لفكرة القانون ذاتها.الصمت… أخطر من الفعل الأخطر من الفعل نفسه هو الصمت الذي يليه.

صمت مجلس الأمن، صمت المنظمات الدولية، صمت العواصم التي لا تتوقف عن إلقاء الخطب حول “النظام الدولي القائم على القواعد”.هذا الصمت لا يفسر بالحياد، بل يقرأ كرسالة واضحة:القواعد تطبق انتقائيا، والسيادة ليست حقا متساويا، بل امتياز تمنحه القوة وتلغيه حين تشاء.اليوم فنزويلا… وغدًا؟

القانون الدولي كأداة… لا كمرجعيةما يجري ليس فشلا في تطبيق القانون الدولي، بل استخفافا متعمدا به.فالولايات المتحدة — ومن يجلس في البيت الأبيض — لا تتعامل مع القانون كقيد، بل كخيار:يستدعى حين يخدم المصالح، ويركل جانبا حين يصبح عائقا.الرئيس الأميركي ، بوجوهه المتعددة وخطاباته المتناقضة، يجسّد هذه الازدواجية بوضوح فاضح:في إيران، يرفع شعار “الخطر النووي” لتبرير العقوبات والحصار.في السودان، تستخدم لغة “الانتقال والديمقراطية” للضغط وإعادة التموضع.في فلسطين، يدفن القانون الدولي تحت الركام، ويبرر القتل باسم “حق الدفاع”.في العراق، اختلقت الأكذوبة، دمرت الدولة، ثم اختفى السلاح الوهمي وبقي الخراب.

واليوم في فنزويلا، تستعاد النغمة ذاتها: شرعية، فساد، إنقاذ شعب…بينما الحقيقة أبسط وأقسى: من لا يخضع، يعاقب.هنا لا تحكم القواعد، بل تحكم القوة.ولا يُقاس الحق بالمواثيق، بل بميزان المصالح.ومن يملك الطائرات والأساطيل لا يحتاج إلى إقناع أحد؛ يكفيه أن يفرض الأمر الواقع، ثم يطالب الآخرين بتفسيره قانونيا.لماذا فنزويلا تحديدا؟

فنزويلا ليست دولة عادية في الحسابات الجيوسياسية.هي دولة تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، ورفضت — لسنوات — الانخراط في منظومة الطاعة الاقتصادية والسياسية للهيمنة الأميركية.

صمدت، بثمن باهظ، أمام عقوبات خانقة، وحصار مالي، وحرب اقتصادية موثقة، ومحاولات متكررة لإعادة هندسة نظامها السياسي من الخارج.

السيناريو — إن صح — لا يخرج عن هذا السياق.لسنا أمام معركة قيم، بل صراع مصالح، تلبس فيه اللغة الأخلاقية كغطاء ناعم لتدخل خشن.وهنا يصبح التشابه مع العراق ليس في التفاصيل، بل في الجوهر:النفط أولًا… ثم تُكتب الرواية لاحقًا.

من التالي؟حين يصبح اختطاف رئيس دولة ممكنا، ومقبولا بالصمت، فإن السؤال لم يعد عن مادورو، بل عن النظام الدولي كله.

أي رئيس لا يسير في الخط المرسوم قد يصبح “مشكلة دولية”.

وأي دولة تخرج عن الطاعة قد تُعامَل كمساحة مفتوحة للتدخل.وحينها، ما الذي يتبقى من معنى الدولة؟وما الفرق بين عالم اليوم وعالم ما قبل ميثاق الأمم المتحدة، سوى تطور وسائل التنفيذ؟

خاتمة غير مريحة

قد يختلف كثيرون مع سياسات فنزويلا، وقد ينتقدون نظامها، وقد يرفضون نموذجها.لكن الدفاع عن مبدأ السيادة هنا ليس دفاعا عن شخص أو نظام، بل عن الحد الأدنى الذي يمنع العالم من الانزلاق إلى شريعة الغاب.لأن السؤال الحقيقي ليس:هل كان مادورو يستحق ما حدث؟بل:هل العالم مستعد للعيش في نظام تُختطف فيه الدول كما يُختطف الأفراد؟

وحين يصبح الجواب نعم…فلن يكون أحد خارج القائمة.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.