جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة

الإدريسي في رسالة مفتوحة: نحن لا نحتاج “نعم سيدي”… نحتاج مسؤولاً بضمير

بقلم الاستاذ عبد المجيد الإدريسي

معالي وزير الداخلية

نكتب اليوم من موقع السؤال لا من موقع المجاملة. السؤال الذي يتردد في الشارع قبل الجرائد، وفي المقاهي قبل المؤسسات: إذا كان العامل والوالي والقياد والباشوات يملكون الصلاحيات كاملة، فلماذا لا يتحملون المسؤولية الكاملة؟ لماذا يحتفلون بالنجاح، بينما الفشل لا مالك له؟ ولماذا تتحول السلطة في المغرب أحيانًا إلى منصة للولاء قبل أن تكون مسؤولية للإنجاز؟

إن ما يجري داخل الإدارة الترابية لم يعد مجرد أخطاء معزولة، بل أصبح نمطا يتكرر: عمال وولاة يتمتعون بصلاحيات واسعة دستوريا وإداريا، يمثلون الملك والدولة والحكومة، ومع ذلك حين يفشل المسار التنموي في إقليم أو جهة لا نرى استجوابا لا نرى تقارير محاسبة بل نرى انتقالات مريحة ترقيات هادئة وأحيانا تعيينات داخل ديوان الوزارة نفسها. من فشل إلى مستوى أعلى، من عجز إلى موقع أقوى، وكأن رسالة الدولة للمواطن تقول: “الولاء أهم من النتيجة

“لقد رأينا قيادات في الميدان تشتغل بضمير ومسؤولية قائد يفعل أكثر من العامل وباشا يشتغل أكثر من والي ورجال سلطة في الميدان ليلا ونهارا لأنهم يفهمون أن السلطة خدمة وليست ورقة توقيع. وفي المقابل رأينا مسؤولين كبارا كل رصيدهم هو كلمة “نعم سيدي” وترقية مبنية على التعليمات قبل الكفاءة وعلى الولاء قبل القدرة. موظفون يتدرجون لأنهم نفذوا دون سؤال وطبقوا دون نقاش وأغلقوا الأفواه قبل أن يفتحوا الملفات. كأننا أمام منطق مقلوب: ليس المهم أن تنجح، المهم ألا تسأل.

إن المغرب اليوم لا ينهار من غياب الإمكانيات؛ بل ينهار حين تستخدم الإمكانيات بغير عقل. لا ينهار من نقص القوانين بل ينهار حين لا تُطبق القوانين إلا على الضعفاء. لا ينهار من فقر الموارد؛ بل ينهار من وفرة الولاءات على حساب الكفاءات. نحن أمام وزارة تمسك بزمام السلطة الترابية وتملك القدرة على الإصلاح لكنها عاجزة عن مواجهة من فشلوا ويستمرون في القرار. أين المحاسبة؟ أين ربط المسؤولية بالمساءلة؟ أين صدمة الإصلاح التي تعيد ترتيب الميدان قبل المكاتب؟إن فوضى القياد والشيوخ وأعوان السلطة ليست صدفة بل نتيجة غياب رؤية هناك من يمارس السلطة كأنها وصاية، ومن يتدخل في حياة الناس أكثر مما يتدخل في حياة المشاريع ومن يراقب المواطن أكثر مما يراقب الفساد العمراني ومن يسجل الأسماء أكثر مما يسجل الخلل الإداري. وعندما يظهر الخلل نجد جوابا جاهزا: “التعليمات”. وكأن التعليمات شماعة، وكأن الدولة مظلة لتبرير الصمت.معالي الوزير، لم نعد نريد عمالا يتجولون في المستشفيات بعد انفجار الملف، بل قبل الانهيار. لا نريد ولاة يتحركون بعد احتجاجات السكان، بل قبل خروج الناس للشارع. لا نريد ترقية من فشل، بل محاسبة من تسبب في الفشل. لا نريد تكرار نموذج “من الإعفاء إلى ديوان الوزارة”، ولا نريد إدارة تقيس الولاء قبل الكفاءة. نريد دولة تحترم نفسها قبل أن تطلب من المواطن أن يحترمها.

هناك رجال سلطة يستحقون التحية، لأنهم فهموا أن السلطة هي ضمير قبل أن تكون نفوذا. وهناك آخرون لا يشرفون تمثيلهم لصاحب الجلالة ولا يليقون بالمكانة التي يجلسون عليها. والفرق بين الفريقين واضح: الأول يعمل، والثاني ينتظر التعليمات. الأول يسأل ماذا نفعل؟ والثاني ينتظر أن يسمع “نعم سيدي”. الأول يحمي الوطن، والثاني يحمي منصبه.

إن التنمية في المغرب لن تتقدم بخطاب التلميع، ولا بحفلات التدشين، ولا بصور على صفحات المؤسسات. التنمية تتقدم حين يتحمل كل مسؤول وزنه: العامل قبل القائد، الوالي قبل الباشا، والوزير قبل الجميع. والمسؤول الذي يملك السلطة يجب أن يتحمل الألم قبل التصفيق، والخسارة قبل المجد.

معالي الوزير، هذه ليست شكوى. هذه شهادة. وهذه ليست معارضة. هذه مطالبة بحق الوطن على الدولة. من يملك القرار اليوم… عليه أن يتحمل الفشل كما يتحمل النجاح. فإما أن تكون الوزارة جزءا من الحل، أو ستظل عنوانا للمشكل. والواقع يقول: زمن المجاملة انتهى.

قد يعجبك أيضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.